Books العربية هل يجوز للمسلمين أن يصوتوا في انتخابات الدولة العلمانية الحديثة؟

Donations for Book Printing Fund.

Kindly consider DONATING towards the book printing fund, which enables Shaykh to print the books on this website. Your donations enables us to continue providing e-books for free.

Please use your debit card as per this FAQ


هل يجوز للمسلمين أن يصوتوا في انتخابات الدولة العلمانية الحديثة؟ Print E-mail
Books - العربية
Tuesday, 29 Rajab 1433

هل يجوز للمسلمين أن يصوتوا في انتخابات الدولة العلمانية الحديثة؟

مقال للشيخ عمران حسين بتاريخ 27 رجب لسنة 1428 هجرية

ترجمة دعاء سيد

1-    هل يوجد شرعية للدولة العلمانية الحديثة وفقا لأحكام الاسلام العظيم ؟

2-     هل هو حلال أم حرام علي المسلمين أن يصوتوا في انتخابات الدولة العلمانية الحديثة؟

                                  هذا المقال يجيب علي هذه التساؤلات

إن عالم الدين المسلم المصري المستقر في أمريكا قد أعلن في فتوي واسعة الانتشار:

( أنه من الواجب علي المسلمين أن يصوتوا في انتخابات الدولة العلمانية الحديثة مثل الولايات المتحدةالأمريكية)

 ويترتب علي هذه الفتوي أن المسلمين إذا امتنعوا عن التصويت في هذه الانتخابات فإنهم بذلك يكونون قد اقترفوا إثما!

من جهة أخري فإن العالم الإسلامي الباكستاني الدكتور إسرار أحمد قد صرح:

( أنه من الحرام علي أي مسلم أن يشارك في السياسات الانتخابية في الدولة العلمانية الحديثة (الدولة القائم نظامها علي دستور علمانى).

 فلقد منع كل أعضاء التنظيم الإسلامي والجماعات التي كان هو أميرا عليها من التصويت في انتخابات الدولة العلمانية. وقد أوضح أيضا أن مولانا مودودي (رحمه الله) الذي كان مع المشاركه في السياسات الإنتخابيه تراجع عن هذا الرأي قبل وفاته وأصبح معارضا لمثل هذه المشاركات.

ورأينا هو أن فتوي عالم الدين الإسلامي المصري المستقر في أمريكا باطلة ونري أنه قد ضل ضلالا خطيرا. وندعو الله الكريم أن يهدي أخانا العالم إلي الطريق المستقيم, آمين! ملايين  المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية قد قبلوا هذه الفتوي واستقر في أنفسهم أنهم مهتدون وخرجوا وصوتوا من أجل جورج بوش. ولكن ما أن أتي يوم الحادي عشر من سبتمبر لسنة 2001 إلا وكانو يفركون أيديهم من القلق والحزن بسبب حقيقة أن حكومتهم (إدارة بوش) والتي أعطوها الشرعيه بالتصويت لها تشن الآن حربا مقنعه علي الإسلام! (انظر مقالي التحليلي "رد الفعل المسلم للهجوم علي أمريكا" علي موقعي الالكتروني(.

إن النظام الانتخابى في بلدي ترينداد وتوباجو كان دائما ما يميز الناس عرقيا. وفي عام 1956 ظهرت حركة علمانيه باسم "الحركة الشعبية القومية" ولكنها لم تكن في الواقع إلا حركه قوميه "للسود- الكاتب يقصد الزنوج". وهذه الحركه لوثت البلاد وخلقت رائحة نتنة أسوأ من الفساد الذي خلفته مما أدى بأحدهم فى عام 1986 بأن يكتب على الضريح "جميعنا سرق".

 أنا نفسي عانيت في عملي بسبب التمييز العنصري الذي نشرته الحركة الشعبية القومية وكذلك أبي. في الحقيقه كانت هذه الحركه السبب الذي قاد أبي إلي القبر.

وبمرور الوقت فإن قومية السود المسماه "الحركة الشعبية القومية" تسببت في قيام تيار مضاد لها وهو القومية الهندية. فعندما إكتسب الهنود قوة سياسية فإن العنصرية النتنة التي خلفتها القومية الهندية في "مؤتمر الوحدة القومية" لم تختلف عن التي قدمتها "قومية السود".

 ولكن الشيء الوحيد الذي بقي ثابتا أثناء هذا الليل الطويل المظلم من الجاهلية السياسية هو مشاركة المسلمين في انتخابات السياسة العرقية هذه بدون أي وعي بأن الإسلام لديه شيء مختلف تماما ليعرضه علي البشرية. كيف يمكننا أن نفسر ظاهرة دعم المسلمين الأفارقة ل "الحركة القومية الشعبية" ودعم المسلمين الهنود ل "مؤتمر الوحده القوميه"؟

كثير من المسلمين في ترينداد ربما يفاجأون بهذا المقال لأنه, منذ حدوث أول انتخابات عامه حقيقية عام 1956,  القليل من المسلمين المتعلمين في ترينداد وتوباجوهم من تساءلوا بجدية هل المشاركة في هذه الإنتخابات حلال أم حرام؟

 كانت هناك ردود عابثة عمدت إلي تهميش الإعتراضات الإسلامية علي التصويت وذلك بسبب التناقضات المتضمنة في أشياء أخري مثل "وجود دولارا ورقيا في المحفظه" أو "رخصة القياده" .. إلخ. فعندما يساوي عالم دين إسلامي بارز بين "الشرك" وبين "رخصة القياده" فإننا ندرك أننا بحق في خطر عظيم. عالم الدين الإسلامي الهندي البارز المقيم في الولايات المتحده والذي تورط في هذا العبث الذي لا يمكن أن يقبل عنه اعتذار رجع وصرح أن تصويت المسلمين في ترينداد وتوباجو في الإنتخابات هو "فرض ديني".

ولكن المسلمين في ترينداد لابد أن يتمهلوا قبل قبول أشياء غريبة عديدة أخري والتي تصرخ مطالبة برد عليها. فمثلا, إننا دائما ما نغني السلام الوطني لدولة ترينداد وتوباجو مصرحين ومكررين, "هذا وطننا الأم, ونحن نعهد بحياتنا من أجله" أي (من أجل ترينداد وتوباجو), في الوقت الذي يأمرنا فيه القرآن بكل وضوح بأن نعهد بحياتنا كلها لله الأعلي: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ... سورة الأنعام آيه رقم (162).

فإنه بحق من يعهد بحياته لدوله أو لوطنه الأم أو لشجرة مانجو وليس لله الأعلي من المسلمين فإنه يقترف شركا. ويكون هذا المسلم أيضا رافضا لهجرة إبراهيم (عليه السلام) الذي ترك وطنه الأم بسبب إسلامه وهجرة محمد (صلي الله عليه وسلم) الذي فعل نفس الشيء.

وأيضا فإن منظمة اتحاد الأديان في ترينداد وتوباجو والتي تضم مسلمين قد اتخذت لنفسها رمزا تضمن شعار أبوية الله وأخوة كل البشر. ولكن القرآن يخبرنا ويعلن أن الله ليس أبا لأحد (لم يلد). فإن أي مسلم عضو في منظمة اتحاد الأديان في ترينداد وتوباجو فقد اعتبر الله أبا, بحكم الأمر الواقع, وبذلك فإنه يكون قد اقترف شركا بالله.

هذا المقال يبدأ

1-بوصف النظام العالمي الحالى

2-ويتضمن مقدمه عن الدوله العلمانيه الحديثه ووصفا لأصولها.

3 ونكتشف أن الأسس التي تقوم عليها هذه الدولةهي أسس متعمقة في الكفر والشرك حيث الشرك هو أحد أعظم علامات يوم القيامه وهو مرتبط بالدجال (المسيح الكاذب أو عدو المسيح).

ويجب تذكير المسلمين أن الإسلام قد أعطي العالم مفهوما عن النظام السياسي والدولة يخلو من أي شرك أو كفر. وكانت هذه هي الخلافة الإسلامية التي هدمتها أوروبا لأنها كانت عائقا أمام أوروبا لإجبار كل البشر علي الكفر والشرك.

ونحن نعترف أن هناك مميزات ظاهرة و واضحة للدولة العلمانية لذا سنفحص حال هذه الدولة العلمانية الحديثة وفقا لمنظور الاسلام. وهذا يتضمن التفسير القرآني للشرك المنتشر عالميا في الدوله العلمانية الحديثة. ونخلص إلي تقديم بديل للسياسات الإنتخابية, القائمة في الدولة العلمانية الحديثة, للمسلمين. وفي عرضنا لهذا البديل فإننا ندعوا المؤمنين للعودة إلي سنة نبينا الكريم (صلي الله عليه وسلم) في السياسة.

1-النظام العالمي الحالي:

 

أوروبا فى العصور الوسطي كانت ملحدة أساسا ثم لبست عباءة المسيحية ثم بعد ذلك وبغموض شديد تخلت عن مسيحيتها من أجل مادية العصر الحديث عندها سلحت نفسها بقوه علمية وتكنولوجية تبدو غير قابلة للتحطيم أو حتي المقاومة. استخدمت أوروبا هذه القوة عسكريا وسياسيا لتتحكم في العالم الإسلامي لدرجة أنها استطاعت أن تحطم الخلافة الإسلامية. واستمرت أوروبا في جعل من المستحيل علي المسلمين أن يحرروا أيا من بلادهم لإقامة الإسلام الحقيقي في أي مكان علي الأرض. فلقد استمر هجوم الأوروبيين الذي لا ييأس ولا يرحم علي الحضارة الإسلامية بدون انقطاع لمده أطول من ألف عام, والذي شهد تحطيم الخلافة سنة 1924 , وأدي في النهاية إلي إخضاع المسلمين لحكم السياسة الأوروبية. وبدأ هذا الحكم بأوروبا واستمر بأوروبا الجديده وكذلك  أمريكا. لم تصبح الحضاره الإسلاميه في فوضي سياسيه وثقافيه مطلقه فقط ولكنها أيضا تقترب بسرعه كبيره نحو السقوط الكامل في عبوديه اقتصاديه عن طريق الربا الأوروبي المتخفي تحت اسم "الرأسمالية.

والنتيجة الحتمية لهذا الهجوم هو أن أعدادا كبيرة من المسلمين قد تركوا الإسلام وأصبحوا جزءا من العالم اللاديني الجديد الذي خلقته أوروبا. وهذا ممثل بشكل قاطع في حكومات العالم الحديث للدول الإسلاميه. فهؤلاء المسلمون مشغولون بخلق ما أسموه بالإسلام الحديث (الحداثه الإسلاميه) والذي يمكنه أن يتكيف مع العالم الملحد الحديث. والعالم الإسلامي البارز مولانا الدكتور محمد فضل الرحمن الأنصاري قد شجب ورفض هذه الحداثه الإسلاميه وحث المسلمين علي التمسك بالصراط المستقيم الذي فيه يرجعون إلي القرآن للبحث عن تفسير لهذا العالم الحديث ولإيجاد الرد المناسب علي تحدياته العظيمه.

في غضون هذا كله استطاعت أوروبا أن تحرر الأرض المقدسه من حكم المسلمين واستطاعت أيضا أن تستعيد دولة إسرائيل في الأرض المقدسة. وبعد ذلك تم إرجاع اليهود الإسرائيليين إلي الأرض المقدسه بمساعدة اليهود الأوروبيين في أغرب عملية عودة شعب شهدها التاريخ. فإنه بالفعل أصبح من الواضح أن أوروبا الملحده بسيطرتها علي العالم كانت تقصد أن تمكن اليهود الإسرائيليين من العوده إلي الأرض المقدسه. وحقيقة أن اليهود الإسرائيليين قد قبلوا طريق العوده هذا إلي القدس وترجمتهم له علي انه تحقق لوعد إلهى يتعلق بعودة العصر الذهبي وقدوم المسيح لا يدل إلا علي عماهم الروحاني. في الواقع إن الدجال (المسيح الكاذب أو عدو المسيح) قد خدعهم.

كيف يمكن للمسلمين أن يتفاعلوا مع هذه الدراما والتي لاتزال تتكشف؟

كيف يمكن للمسلمين ان يخلصوا أنفسهم من هذا المأزق الحالي؟ والإجابه هي أن لا شيء يمكنه أن يفسر العالم الغريب الحالي ولا شيء يمكنه أن ينقذ المسلمين من أخطاره إلا القرآن وسنة نبيهم (عليه الصلاة والسلام). الخلاص يعتمد علي إعادة بناء مجتمع إسلامي صحيح علي قدر الإستطاعه. والصحه هنا تعتمد علي قدر الإخلاص للقرآن وللذي أرسل ليعلم القرآن ويقيم هداه بنموذج واقعي قوي.

من غير الممكن حاليا للمسلمين أن يتخذوا أي خطوات ليفرضوا حكمهم علي أي منطقه في أي مكان في العالم ليقيموا الإسلام فيها كنظام شعبي أو دوله (دار الإسلام). وأي محاوله في سبيل ذلك سوف تؤدي إلي هجوم عصابي من كل أنحاء العالم الملحد لمنع ظهور أي حكم إسلامي صحيح في أي دوله. وهؤلاء الذين لا يرون ذلك هم أناس لا يفهمون نظام يأجوج ومأجوج العالمي المتحكم في العالم حاليا. والإستثناء الوحيد يبدو أنه في إقليم خراسان (كما كان يسمي زمن الرسول) وهو إقليم يقع إلي الشرق من نهر الفرات. ومن المهم هنا أن نذكر أن أوروبا الملحده الحديثه لم تنجح أبدا في غزو قلب هذه المنطقه. فلقد حاول البريطانيون احتلال أفغانستان وفشلوا. وبعد ذلك حاول الروس وفشلوا ايضا. والمحاوله الأمريكيه الحاليه تمثل أكبر جهد متطور تشنه الحضاره الأوروبيه لإخضاع المنطقه والتحكم بها. ولكن هذا المجهود مقدر له أن يفشل أيضا لأن الإسلام يثبت نفسه ببطء. ولقد تنبأ النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) أن الإسلام سوف يعود ليظهر في هذا الجزء من العالم بالتحديد عندما يتقدم جيش مسلم منها ليحرر كل منطقه محتله في طريقه من خراسان إلي القدس:

"عن أبي هريرة أن رسول الله قال: تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء (القدس)... سنن الترمذي."

قد لا يضطر العالم للإنتظار طويلا قبل أن تتحقق هذه النبوءه.

كيف يمكن للمسلمين أن يتفاعلوا مع هذا العدوان المتزايد والذي لا يتوقف علي الإسلام والمجتمع الإسلامي في المستقبل القريب؟ كيف يمكنهم أن يحافظوا علي تواجدهم أثناء هذه الفتره الباقيه (قبل التحرر والنصر) إذا كانوا لا يستطيعون أن يقيموا الإسلام علي مستوي كبير في أي مكان لأنهم لا يمكنهم أن يقيموا سيطرتهم علي أي دوله؟ سوف نحاول أن نجيب علي هذا السؤال عندما نعالج البديل الإسلامي للسياسة الإنتخابيه في الدوله اللادينيه الحديثه.

إنه من الغريب أنه في عالم لا يزال يتضمن حضارات عظيمه غير أوروبيه عديده, بعضها يمتد تاريخه لآلاف السنين, لا يتحكم أحدها في أي منطقه. ففي كل مكان في العالم اليوم يقع البشر تحت حكم الحضاره الأوروبيه. في كل مكان في العالم يقع البشر سجناء النموذج الأوروبي للدوله اللادينيه. هذه العولمه السياسيه للنموذج الأوروبي للدوله اللادينيه هي شيء مميز جدا في تاريخ البشريه. وهي أيضا شيء غامض ومشئوم. النظام الأوروبي للدول اللادينيه في النهايه قدم لنا مؤسسه سياسيه دوليه حديثه سميت (أولا) "عصبة الأمم" والتي بعد ذلك أعادوا إحياءها ك "الأمم المتحده". وفي الإسم ذاته "الأمم المتحده" كرس لهدف النظام العالمي الجديد الذي خلقته أوروبا. هذا الهدف كان توحيد العالم تحت التأثير والتحكم السياسي الأوروبي وبذلك تتمكن أوروبا في النهايه من حكم العالم كحكومه عالميه. في وقت كتابة هذا المقال, فإن أوروبا (النظام العالمي الأبيض) تقف علي مقربة من النجاح في إكمال تحقيق هذا الهدف السياسي النهائي. وكل الحضارات الغير أوروبيه تبدو عاجزه عن تحرير نفسها من خنق السيطره الأوروبيه اللادينيه القويه.

آرنولد توينبي, المؤرخ البريطاني المعروف, كان قد علق علي هذه الظاهره العجيبه بنظرته إلي كل الحضارات السابقه (التي سبقت الحضاره الغربيه الحديثه) علي أنها حضارات "ميته" أو "محتضره" وأنه "من غير الممكن تجنب أن الحضاره الغربيه سوف تعاني نفس المصير الذي عاصرته كل الحضارات السابقه" (توينبي من كتابه: حضاره تحت الإختبار). الهدف الأوروبي كان واضحا غامض التبرير ومشئوم. هدف أوروبا كان فرض سيطرة الحكم الأوروبي علي العالم كله. ولكن هذا ليس كل شيء. فإن دور أوروبا من المفترض أن يشهد "نهاية التاريخ" لأنه لا يوجد شيء يمكنه أن يحل محل القياده الأوروبيه للعالم! توينبي كان قد عبر بعبارة صريحه في كتابه الشهير "حضاره تحت الإختبار" قائلا:

"إن الحضاره الغربيه تهدف إلي ما لا يقل عن دمج العالم كله في مجتمع واحد كبير والتحكم في كل شيء في الأرض والهواء والبحر ..."

ولكن الهدف الأكبر للأوروبيين هو أن تجعل عودة اليهود إلي الأرض المقدسه ممكنه وتسلم حكم العالم لليهود حتي يتمكنوا من حكم العالم من القدس. كتابي "القدس في القرآن" يفسر هذه الحقيقة صعبة التفسير والتي لم يتمكن حتي توينبي من فهمها! إن عودة اليهود إلي الأرض المقدسه وقيام دولة إسرائيل بعد حوالي 2000 عام من تحطيم الله تعالي بنفسه لها وطرده لليهود منها لهو أغرب حدث في التاريخ. وفقط القرآن فسر هذا الحدث. وفقط القرآن يستطيع أن يصف المصير الذي ينتظر القدس واليهود.

القرآن في سورة الأنبياء يصرح بوضوح أنه عندما يطلق الله يأجوج ومأجوج في العالم حتي ينسلوا من كل حدب أو ينتشروا في كل مكان واتجاه, يصرح القرآن أنه نتيجة لحدوث ذلك فإن شعبا كان قد طرد من "قرية" دمرها الله وحرم عليهم العوده إليها سوف يصبحون قادرين علي العوده إليها ويطالبون بها علي أنها ملك لهم. كتابي كان قد شرح أن هذه "القرية" هي القدس. ولكن عندما ينسل يأجوج ومأجوج من كل حدب أو ينتشرون في كل مكان واتجاه سوف يكون من المستحيل علي باقي البشريه أن يقاوموهم بسبب هذا التصريح الإلاهي:

" أنى قد أخرجتُ عباداً لى (يأجوج ومأجوج)لا يدان لأحد بقتالهم" ... صحيح مسلم.

يتضح مما فات ذكره أن الحضاره الأوروبيه الحديثه هي حضارة يأجوج ومأجوج. وبذلك يكون النظام العالمي الذي يحكم العالم اليوم بقبضة من حديد والذي يشن حربا علي الإسلام هو النظام العالمي ليأجوج ومأجوج. إن يأجوج ومأجوج هم من يفسرون القوه الهائله المستحيلة التحطيم لحكام العالم الحديث الظالمين الفاسدين العفنين والملحدين أساسا. يأجوج ومأجوج أيضا يفسرون ظاهره عولمة العالم الحديث العجيبه.

كتابي "القدس في القرآن" يفسر أيضا ظاهرة الدجال, المسيح الكاذب. يكون هو مع يأجوج ومأجوج واحده من العلامات الكبري ليوم القيامه (آخر الزمان). وبما أن مهمته هي أن ينتحل شخصية المسيح المقدر له حكم العالم من القدس فيجب عليه هو الآخر أن يحكم العالم من القدس. فقد فسر كتابي الحديث الشهير لتميم الداري المذكور في صحيح مسلم. إنه الحديث الذي مكننا من تحديد المكان الأول للدجال, الذي انطلق منه في مهمته, وهو الجزيره البريطانيه. ومن بريطانيا (التي كانت تحكم العالم) انتقل إلي الولايات المتحده (حاكمة العالم الحاليه) وقريبا سينتقل إلي إسرائيل. الدوله اليهوديه سوف تحكم العالم بعد الولايات المتحده الأمريكيه. ونحن نتوقع حدوث ذلك قريبا. إذاً فإن الهدف الأوروبي الأساسي لم يكن فقط إرجاع اليهود إلي الأرض المقدسه ولكن أيضا ليسلم لهم حكم العالم حتي يتمكنوا من حكم العالم من القدس!

ويجب علي القارئ أن يفهم أن الدوله اللادينيه الحديثه كونت جزءا أساسيا من الخطه السياسيه الكامله التي تتبعتها أوروبا لتصل إلي حكم العالم سياسيا. بكلمات أخري, إن الدوله اللادينيه الحديثه صممت خصيصا لتكون أداة العولمه السياسيه التي ستسلم الحكم السياسي للعالم إلي النظام السياسي العالمي للبيض. وعملية العولمه السياسيه مرتبطه في المقابل بإسرائيل الأوروبيه – اليهوديه التي ستصبح الدوله الحاكمه للعالم.

سر الدوله اللادينيه (العلمانيه) الحديثه:

ظهرت الدوله اللادينيه الحديثه كنتيجه لتطبيق اللادينيه في الفلسفه السياسيه والنظريه السياسيه. ثم نشرت الدوله اللادينيه نفسها في العالم الحديث في نظام لاديني عالمي حديث. وهذا لم يحدث بالصدفه. العلمانيه نشأت في أوروبا بعد أن هوجمت الحضاره الأوروبيه من الداخل بشكل مريب وطرأت عليها تغييرات ثوريه ومشئومه. هذه الثوره تسببت في قيام حضاره تبدو ظاهريا قائمه علي أسس إيمانيه مسيحيه ويهوديه (حيث أن إحداهما نشأت من الأخري) لتتحول بغرابه إلي حضاره تشتمل علي خليط مرعب من الخصائص. هذه فقط بعض هذه الخصائص (هناك المزيد الذي لم يذكر هنا):

  • حضاره علميه وتكنولوجيه تسببت في قوه غير مسبوقه لأوروبا. استخدمت هذه القوه بعد ذلك للتحكم في العالم. لم ينجح أي شعب في تاريخ البشريه من فرض سيطرته الكامله علي العالم كله من قبل.
  • قوه استخدمت لقهر كل هؤلاء الذين قاوموا أسياد العالم الجدد.
  • تجريد الدين من روحانيته الداخليه والتي ظلت تتناقص حتي أصبح المجتمع ملحد أساسا. بقي الجزء الخارجي من الدين في حاله من الضعف الشديد الذي أدي في النهايه إلي السماح رسميا للرجل أن يتزوج رجلا مثله.
  • الحياه الملحده أدت إلي انهيار الأخلاق لدرجة أن المجتمع هبط إلي حالة من التفسخ.
  • الطمع والشهوه ساقوا المجتمع إلي تدمير نفسه بنفسه.
  • استخدم الخداع لسرقة ثروات البشريه وجر المجتمعات الإنسانيه إلي الفقر. واستخدم أيضا لإغراء البشريه كي يقلدوا نظام الحياه الأوروبي الحديث الملحد.
  • العولمه تجر العالم كله إلي قبضة الدكتاتوريه الإسرائيليه المعتمده علي حكم الدجال. هذه واحده من أكثر الأحداث تميزا وجسامة بالنسبه للتاريخ الأوروبي أو العالمي علي حد سواء. ورغم ذلك لا يزال الكثيرون ممن يدعون بالمتعلمين لا يبدون حتي مهتمين بفهم كيف ولماذا حدث كل ما ذكرنا. ولا يرون شيئا غامضا فيه. دعنا نشرح المزيد إذا.

إن إلحاد الحضاره الأوروبيه الحديثه ظهر بوضوح عندما اختاروا الماديه لتحل محل الروحانيه الدينيه في تفسير الواقع. وهذا يعني أن أوروبا لم تعد تعترف بوجود أي حقيقه خلف الواقع المادي. اللجوء للماديه كان هو نفسه النتيجه المنطقيه لانتهاج نظرية المعرفه "العوراء" (الدجال أعور) والتي تصر بعناد أن المعرفه تأتي من مصدر واحد (الملاحظه الخارجيه والتجربه). العين الأخري (البصيره الروحانيه الفطريه التي تنبع من القلب) رفضت كوسيله يمكن عن طريقها الوصول للمعرفه.

الثوره الأوروبيه الملحده كانت حتي ظاهره أكثر غرابه بما صاحبها من ثوره علميه وتكنولوجيه قوت أوروبا الملحده بقوه تبدو لا تقهر وأعطتها لمعانا جعلها لا تقاوم. المحرك البخاري, القطار, السيارات, الشاحنات, الدبابات الحربيه, السفن التي تسير بالبخار وبالبترول, الطائرات,... إلخ, غيرت طريقة العالم في السفر وفي الحرب وغيرت في المقابل طريقة حياة الناس. الكهرباء أصبحت مصدر الطاقه وهذا غير حياة الناس. التليفونات والتليغرافات جعلت الاتصالات فوريه مهما بعدت المسافات وهذا غير طريقة حياة الناس وسلوكهم. والثوره النسائيه جعلت "الليل" "نهارا" وبهذا أعطت النساء الحريه في الإنخراط في الحياه العمليه الخاصه بمجتمع الرجال. حدث هذا متحديا الإختلاف الوظيفي الذي خلقه الله سبحانه وتعالي. (انظر سورة الليل الآيه الرابعه عندما شابه الله بين وظائف الليل والنهار من جهه وخلق الذكر والأنثي من الجهه الأخري). نشر هذا الفكر تحت اسم تحرير المرأه! وأدي إلي أكثر التغيرات جسامة وشؤما في طريقة حياة الناس.

أوروبا الجديده وجهت هجومها علي البشريه بمخاطبة الغرائز الفطريه من طمع وشهوه. ثوره جنسيه وعدت أن تجعل العلاقات الجنسيه – سواء كانت طبيعيه أو غير طبيعيه- متاحه بحريه وسهوله كضوء الشمس. الإباحيه والشذوذ والسحاق والعري والجنس في الشوارع, الخاصون بالمجتمع الأبيض, قد غمرت باقي العالم الآن. الزواج أصبح ينظر إليه علي أنه شيء مكرر وممل وأصبح الناس يفضلون أن يعيشوا معا بدون زواج والمجتمع لا يزال يحترمهم. جاكلين كينيدي زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي ورمزا أمريكيا في أيام كاميلوت عاشت آخر سنوات حياتها في علاقة خارج إطار الزواج.

وعندما توفيت قدم شريك حياتها اليهودي إلي العالم علي أنه "رفيقها". وتم الدفاع عن الشذوذ والسحاق علي أنهما بديلا جنسيا وأصبحوا مقبولين للضمير الشعبي حتي أنه بات من الممكن أن يظهر كاهن أو رِبِّي شاذ جنسيا ويطالب بالإحترام ويظل يعمل ككاهن أو رِبِّي. حتي كلمة "الشذوذ الجنسي" تمت علمنتها حتي يرفع عنها الإشمئزاز الإجتماعي المرتبط بها علي أنها جنس غير طبيعي. فقد استبدلت بكلمة "جاي – بالعاميه الإنجليزيه". والمجتمع بكل حسن نيه تقبل تغيير الاسم الذي بدا لهم تغييرا بريئا. وهؤلاء الذين عارضوا الشذوذ الجنسي اتهموا بما سمي "عداء الشواذ".

ثورة استهلاكيه أعطت للبشريه شهيه نهمه لامتلاك أكثر وأكثر من البضائع الاستهلاكيه التي تبهر العين. ثورة البضائع الاستهلاكيه اخترقت البشريه لدرجة أن المطابخ والحمامات والمراحيض حتي في أكثر البيوت تواضعا قد تغيرت تماما.

إن أوروبا الجديده الملحده استمرت في استخدام القوه لتغزو باقي العالم وتستعمره ثم تستخدم "السحر" في إغواء البشريه لتقلد طريقة الحياه الأوروبيه الملحده المنحطه وثقافة الاستهلاك الجديده. شهدت الثوره الأوروبيه الملحده لحظات تحولها السياسيه في الثورات الأمريكيه والفرنسيه والبلشفيه في الأعوام 1776 و 1787 – 1800 و 1917. ولحظة التحول الإقتصاديه كانت بروز النظام الإقتصادي المرابي (المعتمد علي الإقتراض والإقراض بالفائده واستبدال النقود الحقيقيه ذات القيمه الذاتيه بالنقود الورقيه التي يمكن التلاعب بقيمتها وتغييرها بحيث تهبط قيمتها باستمرار) واكتملت تماما بالثوره البروتستانتيه. (انظر كتاب تاوني: "الدين وظهور الرأسماليه"). نقطة التحول الثقافيه كانت ظهور الثوره النسائيه بجهادها من أجل "تحرير المرأه". ولكن أحدا من هذه الثورات لم يكن ممكنا الحدوث بدون الثورات العلميه والتكنولوجيه المصاحبه.

مزايا الدوله اللادينيه (العلمانيه) الحديثه:

إن الدوله العلمانيه لم تكن لتكسب قبول الأوروبيين المسيحيين ولا الأوروبيين اليهود ولا حتي المسلمين ما لم تخفي كفرها وشركها بالله ببعض المزايا الواضحه. ماذا كانت هذه المزايا؟ ظهرت الدوله العلمانيه الحديثه في أوروبا كنتيجه لسيطرة وظلم الحكم الديني الأوروبي المسيحي من أجل أن تتحدي القوي "المؤقته" للكنيسه المسيحيه الأوروبيه. لقد تحدت الكنيسه عندما أعلنت انجيلا جديدا ومثيرا ينص علي المعرفه الغير مقيده وحرية الأديان وحقوق الإنسان والتسامح الديني للجميع. أيضا أنشأت ظروفا سياسيه حافظت علي التعايش السلمي بين الأديان المختلفه في نفس المنطقه. وبذلك وضعت حدا لكل الصراعات الدمويه الدينيه التي ابتليت بها أوروبا لقرون عده.

كما أنها قامت بمهاره بشق طريقها بالرشوه إلي بطون وقلوب البشر عن طريق ابتكاراتها المبتدعه. فلقد اكتشفت أو أنتجت معظم الأشياء التي قبلتها البشريه بسعاده بغض النظر عن معتقداتهم الدينيه واعتبرتها أشياء لا يمكن الاستغناء عنها في الحياه العصريه مثل الكهرباء والراديو والتليفون المحمول والتليفزيون والكمبيوتر والطائره والسياره وماكينات الفاكس وتكنولوجيا الطباعه  ... إلخ. فأينما قبل الناس الحداثه بكل مخترعاتها العجيبه فقد قبلوا أيضا الدوله العلمانيه الحديثه وطريقة الحياه العلمانيه. وهذا لا يعني أي انجاز!

ولكن هذه المزايا الواضحه للدوله العلمانيه الحديثه, التي بعضا منها تواجد في دوله المدينه التي أنشأها رسول الله (صلي الله عليه وسلم), لم تغير الكفر والشرك اللذين تأسست عليهما. فبالفعل بدأت الدوله العلمانيه الحديثه ببطء تكشف عن مخططها الخفي التنافسي عندما بدأت تشن حربا بلا هواده علي أسلوب الحياه الديني. وبتحول المجتمع إلي العلمانيه بدأت تتناقص أعداد هؤلاء المترددين علي الكنائس وبيعت الكنائس والمعابد الخاويه لتتحول إلي قاعات للعب والمقامره. وبالفعل أصبح الدين قوه متناقصه في العالم الحديث اللاديني الملحد بالضروره.

وتحولت الديمقراطيه في الدوله العلمانيه الحديثه إلي أقراص من السم مغلفه بالسكر. فإن الديمقراطيه "السياسيه" عملت علي الحفاظ علي نظام ربوي من اقتصاد الظلم واستغلال البشر (وذلك لأن الإقتصاد قائم كله علي الربا). هذا الظلم الإقتصادي استكمل في كثير من الأوقات بالاضطهاد العرقي والجنسي. فإن العامه الذين أُفقروا لم يتمكنوا من انتزاع أي قوه سياسيه حقيقيه من النخبه الغنيه المفترسه وبذلك فإنهم لم يتمكنوا أبدا من وضع نهايه لهذا الإضطهاد الإقتصادي. وذلك بسبب أن ثروة هذه النخبه المفترسه كانت هي الفيصل بين امكانية النجاح أو الفشل في الحملات الإنتخابيه. ونص الانجيل الجديد للدوله العلمانيه الحديثه علي أن الأغنياء يرثون الأرض. وهذا هو بالضبط ما حدث.

وقد استمرت أوروبا الحديثه في استخدام قواتها العسكريه التي لا تقهر وقدراتها الرائعه علي الخداع في غسل أدمغة البشريه الغير أوروبيه. وبذلك فقد استطاعت الفلسفه السياسيه الملحده الجديده بتصورها الملحد لسيادة الدوله ونظامها الإقتصادي المستغل وثقافتها الفاسده أن تنتشر عالميا. وهذا لا يعني أي انجاز!

وفرض الحكم الإستعماري الغربي علي باقي البشريه بما فيهم المسلمين وبذلك قدم النظام السياسي الملحد الجديد المعتمد علي الكفر والشرك بخداع ومهاره. دمرت الخلافه الإسلاميه العثمانيه. ومن رمادها برزت الدوله التركيه العلمانيه الحديثه. ودمرت دار الإسلام التي أنشأها النبي (صلي الله عليه وسلم) بنفسه في الجزيره العربيه ومن رمادها برزت الدوله العلمانيه الحديثه السعوديه العربيه (كاملة بكل حصارها من سيادة الدوله والمواطنه و... إلخ) كدوله عميله للعالم الغربي الملحد. وبذلك تحققت النبوءه المشئومه للرسول محمد (صلي الله عليه وسلم). فقد تنبأ بأن أمته (المسلمين) سوف تتبع اليهود والنصاري حتي لو دخلوا في جحر الضب فإن أمته ستفعل نفس الشيء.

والنتيجه هي أن عالم اليهود والنصاري والمسلمين دخلوا جميعا في أعظم اختبار (فتنه) وفشلوا في طاعة أمر الله الذي أمرهم به بكل أسي:

" اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ" ... سورة الأعراف الآيه رقم (3).

ولقد استنبطت الدوله العلمانيه الحديثه نظاما انتخابيا سياسيا لتأسيس البرلمان والحكومه وأحيانا القضاه. وقد صوت مواطنوا هذه الدوله العلمانيه بغض النظر عن دياناتهم في هذه الإنتخابات الديمقراطيه. حتي لو كانت الحكومه المنتخبه مكونه من ناس يعبدون الشيطان نفسه كربهم وسيدهم فإن أساس الإنتخابات الديمقراطيه يستلزم قبول المسلمين والمسيحيين واليهود الذين صوتوا في هذه الإنتخابات لهذه الحكومه كحكومة شرعيه وقانونيه ومخولة لتحكمهم. وهم أيضا ملزمون أن يطيعوا ويرضخوا لسلطتها ويطيعونها. فلو قدمت الإنتخابات حكومه يهيمن عليها الهندوس عبدة الأوثان والذين لا يخفون عداءهم لمن يعبد إله إبراهيم (عليه السلام) أو حكومه تصرح بتحليل كل شيء قد حرمه الله (سبحانه وتعالي) فإن المبدأ الأساسي للإنتخابات الديمقراطيه يلزم كلا من اليهود والمسيحيين والمسلمين... إلخ, والذين هم مواطنون في هذه الدوله العلمانيه بالإعتراف بهذه الحكومه علي أنها حكومتهم الشرعيه ويرضخون لسلطتها ويطيعونها.

لا يوجد شيء مذكور في كل الكتب المقدسه (التوراه والإنجيل والقرآن) أو سنة النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) يمكنه أن يبرر مشاركة اليهود أو المسيحيين أو المسلمين.... إلخ, في هذه الإنتخابات التي يصوتون فيها بحريه لمثل هذه الحكومات لتصبح شرعيه في حكمها عليهم. بالعكس يوجد تحريم واضح جدا لمثل هذا السلوك!

"..... مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا" ... سورة الكهف آيه رقم (26).

" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا" ..... سورة الإسراء آيه رقم (111).

" الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" .... سورة الفرقان آيه رقم (2).

بل إن القرآن يحذر هؤلاء الذين يساعدون علي عمل سيء بأنهم سيشاركون في تحمل عقوبته:

" مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا"..... سورة النساء الآيه رقم (85).

الشرك والكفر في الدوله اللادينيه (العلمانيه) الحديثه:

كانت الحضارتان الأوروبيه المسيحيه والأوروبيه اليهوديه مؤسستان علي الإيمان بالله وبسيادته وعلوه. في أوروبا المسيحيه كان ذلك من خلال نظرية الحقوق الإلاهيه للملك والذي يعتبر "ممثل الله علي الأرض" طبقا للكنيسه الرومانيه. ولكن نتيجه للتغيرات الثوريه لم تعد هذه الحضاره تعتبر إله إبراهيم (عليه السلام) السيد ولم تعد تعتبر سلطته وقانونه علي أنهما الأعليين. فلقد أصبحت الدوله اللادينيه الحديثه هي السيد وهذا "شرك"! (الشرك هو عبادة أي شيء غير إله إبراهيم "عليه السلام". وكل فساد يطرأ علي طريقة عبادة هذا الرب الواحد هو أيضا شرك. والكفر هو رفض الحقيقه وإنكارها). وسلطة وقاونون هذه الدوله اللادينيه الحديثه أصبحا هما الأعليين وهذا أيضا شرك. فإن هذه الدوله أصبح من سلطتها أن تجعل ما حرم إله إبراهيم (عليه السلام) حلالا (وهذا ما يحدث بالفعل) وهذا أيضا شرك. والشرك هو الذنب الوحيد الذي قال الله تعالي عنه أنه لا يغفره أبدا.

ولقد تنبأ الرسول الكريم (صلي الله عليه وسلم) بأن المسلمين سيخونون الإسلام بتقليدهم واتباعهم لليهود والنصاري (أي التحالف اليهودي – المسيحي) لدرجة أنهم إذا دخلوا في جحر الضب فإن المسلمين سوف يتبعونهم إلي هذا الجحر:

" في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ" .... صحيح البخاري.

وحذر أنه عندما يتبعه المسلمون اليهود والنصاري (أي التحالف اليهودي – المسيحي) فإنه سيكون هناك تبعات مخيفه:

" عَنْ  عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ  , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ :  لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ , حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ , حَتَّى لَوْ أَنَّ فِيهِمْ مِنْ أَتَى أُمَّهُ عَلانِيَةً كَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ , وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً , وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فَرَقَةً , كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَةً, قَالُوا : وَأَيُّ مِلَّةٍ تَنْفَلِتُ مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" .... سنن الترمذي.

المسلمون الذين يعهدون بالولاء للدوله العلمانيه الحديثه أو يصوتون في انتخاباتها لا يمكنهم أن يتوقعوا أن يكونوا ضمن المله الواحده التي ستنجو من النار! الشرك ذنب عظيم. إنه بحق أعظم الذنوب كلها. إنه الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله تعالي:

" إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا" ... سورة النساء آيه رقم (48).

وإن من يقترف شركا ويموت علي حاله لا يمكن أن يدخل الجنه:

".... إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ" ... سورة المائده آيه رقم (72).

عبادة الأوثان هي أكثر شكل علني للشرك. وهذا الشكل من الشرك قد اختفي من العالم اليوم. ولكن العالم الهندوسي لا يزال متمسكا به بعناد. ولذلك لا يمكن أن يعذر مؤمن لا يستطيع أن يري الشرك في الهندوسيه! والقرآن قد حذر المؤمنين بوضوح من أن اليهود والذين أشركوا (مثل عبدة الأوثان) سوف يعاملونهم دائما بكراهية وعداء:

" لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ" ... سورة المائده الآيه رقم (82).

ولكن يوجد أشكال أخري من الشرك موصوفه في القرآن. فرعون ,علي سبيل المثال, صرح لموسي (عليه السلام):" ... أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى" (النازعات (24)), وصرح لقادة قومه :" يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي..." (القصص (38)), وكان هذا شركا. وعبادة المصريين لفرعون تطلبت منهم أن يخضعوا لسلطته علي أنها السلطه العليا ولقانونه علي أنه القانون الأعلي في أرض مصر.

والقرآن كرر نصحه لمن يقيم حكما (حكومه وقانون وعداله) علي أي أساس غير أو عكس سلطة وقانون الله (مثل فرعون). ولكن عندما يصل الهدي الإلاهي للناس (مثل اليهود والمسيحيين والمسلمين) ويقبلون الهدايه فإن الموقف يكون مختلفا. فلو أن هؤلاء الناس سنحت لهم الفرصه ليؤسسوا حكما في منطقة ما, كما هو الحال لمسلمي الهند عندما أسسوا دولة باكستان, ويفشلون في إنشاء قانون وسلطة علي أساس ما أملي عليهم القانون الإلاهي فإن القرآن يشجبهم ويتهمهم بالكفر والظلم والفسق بشكل لا ريب فيه:

"... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ".

"... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".

".... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ... سورة المائده الآيات (من 44-47).

وبما أن إعلان فرعون وتطبيقه الملموس في أرض مصر كانا شركا فإنه يترتب أيضا أن يكون إعلان الدوله العلمانيه الحديثه شركا. ولأن إله إبراهيم قد أعلن أن: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (الظَّالِمُونَ) (الْفَاسِقُونَ)" والدوله العلمانيه الحديثه فعلت هذا بالضبط فإن هذا يعني أن اليهود والمسيحيين والمسلمين الذين أسسوا الدوله اللادينيه (العلمانيه) بعد ما وصل إليهم من القانون الإلاهي عن طريق التوراه والزبور والإنجيل والقرآن يكونون مدانين باقتراف الكفر والظلم والفسق!

فلو أن يهوديا او مسيحيا أو مسلما صوت في الإنتخابات الوطنيه في دوله علمانيه حديثه فإن هذا التصويت يتضمن أنه اعتبر هذا الحزب الذي صوت له مناسبا ليحكمه. ولو أن هذا الحزب كحكومه اقترف شركا وكفرا وظلما وفسقا فإن هذا يتضمن أن اليهودي أو المسيحي أو المسلم يتبع هذا الحزب وحكومته في الشرك والكفر والظلم والفسق! (ويشمل هذا أيضا الهندوس والبوذيين و ... إلخ). القرآن أيضا يندد بجعل ما حرم الله حلالا أو العكس علي أنه شرك. ونزل الوحي من عند الله تعالي مستنكرا اقتراف اليهود والنصاري لهذا الذنب بالتحديد:

" اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" ... سورة التوبه الآيه رقم (31).

عندما نزلت هذه الآيه قدم رجل إلي رسول الله (صلي الله عليه وسلم) واحتج بأن اليهود والنصاري لا يعبدون أحبارهم ورهبانهم. وسأل كيف إذا يتهمهم الله تعالي بهذا؟ فرد الرسول (صلي الله عليه وسلم) بسؤال بلاغي: ألم يجعلوا ما حرم الله حلالا؟ هذا شرك, قال الرسول. ثم سأل: ألم يتبعوهم؟ (اليهود والنصاري) كان هذا شركهم, أعلن رسول الله! من الأشياء المحرمه التي جعلوها حلالا المقامره واللوتاري, استهلاك الكحول, الربا (الإقراض بالفائده). أحيانا تم تحريف التوراه نفسها لجعل مثل هذه الأشياء حلالا. (انظر كتابي "دين إبراهيم ودولة إسرائيل – نظره من القرآن" و "تحريم الربا في القرآن والسنه").

عندما تصرف اليهود بهذه الطريقه فإن داود وعيسي (عليهما السلام) لعناهم:

" لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" ... سورة المائده الآيات رقم (78 و79).

ومن يمت بلعنة نبي عليه فليس له فرصه للنجاة من لهيب النار! في الواقع إنها قمة النفاق أن تعلن أنك تعبد إله إبراهيم ثم تستمر في جعل ما حرمه حلالا وتحريم ما جعله حراما:

" الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ... سورة التوبه الآيه رقم (67).

لو كان من الشرك أن يجعل الكهنة والأحبار ما حرم الله حلالا فإنه أيضا يكون من الشرك أن تفعل حكومة نفس الشيء. ولو كان نفاقا في ذلك الزمان فهو نفاق أيضا الآن. ولو أنه استحق لعنة الأنبياء آنذاك فإنه يستحق نفس الشيء الآن.

الطريقه المعتاده لمعالجة دراسة هذا الموضوع هي أن نوازن بين مزايا وعيوب مشاركة المؤمنين في السياسات الإنتخابيه في الدوله العلمانيه الحديثه. المدافعون عن الدوله العلمانيه يبالغون في مزاياها. فإنها يجادلون أنها النموذج الأكثر تطورا ورقيا في النظام السياسي ومن أي دوله ظهرت علي مدار التاريخ. البعض يجادل قائلا: "إذا لم نشارك في السياسات الإنتخابيه فلن يكون لنا تمثيل سياسي ولن يناضل أحد من أجل حقوقنا". وعلي مستوي أكثر جديه في التفكير ترتفع مجادله أخري: "إن المشاركه في السياسات الإنتخابيه هي الشرط اللازم لأي جهاد ناجح من أجل تغيير النظام السياسي الملحد". فإن مسألة الشرك توجه عن طريق الحيله (أي بالخداع): "سوف نشارك في الانتخابات ولكننا سنفعل هذا علي أساس أن مجتمعنا متفق علي رفض الدستور العلماني والدوله العلمانيه التي تحافظ عليه. هذه الجمله المنجيه سوف تحمينا من الشرك".

وردنا هو أن نشير إلي أن المشاركه في السياسات الإنتخابيه في دولة علمانيه هو في الواقع دليل علي قبول صفة العلمانيه في الدوله. الدوله العلمانيه التي تصرح بنفس تصريحات فرعون لموسي (عليه السلام). هذا التصريح: "الدوله هي السيد! سلطتها هي العليا! قانونها هو الأعلي!" وهذا شرك. وعندما يصوت الناس في الإنتخابات في دوله علمانيه فإنهم بذلك يقبلون الإدعاء بأن الدوله هي السيد وسلطتها هي العليا وقانونها هو القانون الأعلي. وعندما يصوت المؤمنون في هذه الإنتخابات فإنهم بذلك لا يمكن أن ينجو من اقتراف ذنب الشرك. حتي ولو لم يقنع ما نقول القارئ المسلم فيجب أن يكون هناك شك في قلبه علي الأقل أنه يقترف شركا.

ثانيا, فعندما يصوت المؤمن في الإنتخابات في دوله علمانيه فإنه يتوجب عليه أن يصوت لحزب سياسي. لو أن هذا الحزب كحكومه جعل ما حرم الله تعالي حلالا أو فرض قوانين كذلك فإن هذه الحكومه تكون قد اقترفت شركا. منذ عدة سنوات هنا في ترينداد قامت محاوله من وزير مسلم في الحكومه التي يهيمن عليها الهندوس بتجميع الشباب المسلمين في الدوله. فلو أن هذا المجهود نجح فإنه سيكون ذو فائده سياسيه كبيره للحكومه وللحزب الحاكم. حوالي 600 شاب مسلم تم نقلهم مجانا إلي مركز مؤتمرات. وتم امدادهم بوجبات مجانيه. واكتشف بعد ذلك أن منحه قدرها 25.000 دولارا قام المجلس الوطني للوتاري بتقديمها لتمويل الوجبات للشباب المسلم في هذا المؤتمر. ويبدو أن الوزير المسلم لابد أن يكون قد اعتبر أنه من الحلال أن يستخدم أموال اللوتاري للإنفاق علي التنقلات والوجبات. فلو أنه فعل ذلك ولا يزال فإنه يكون قد استحل ما حرم الله.

في كل العالم اليوم الحكومات والبرلمانات في الدول العلمانيه قد جعلت تقريبا كل شيء حرام حلالا. وعندما يدلي المؤمنون بأصواتهم لهذه الأحزاب السياسيه والحكومات التي اقترفت شركا علي شرك فإن هذا التصويت يتضمن قبول هؤلاء الناس علي أنهم مناسبون للحكم عليهم. وبذلك فإن المؤمنين يتبعونهم في الشرك والكفر والظلم والفسق.

ثالثا, فإن هذه الطريقه تتضمن مخالفة وهجرا لسنة نبي الإسلام (صلي الله عليه وسلم).

إن الأحزاب السياسيه والحكومات حول العالم اليوم مكونه من هؤلاء الذين يصرون بازدراء علي التصريح بجعل كل ما حرم الله حلالا. وهذا المقال يعرض أمثله عديده لذلك. وعندما يصوت المؤمنون لمثل هذه الأحزاب في الإنتخابات الوطنيه وينظرون إليهم علي أنهم مناسبون لحكمهم, فإنه يستلزم علي المؤمنين أن يتمهلوا ليفكروا في التبعات العمليه لمثل هذا العمل. عندما يصر شعب بازدراء علي الحرام فإنهم سوف يدفعون ثمن ذلك. وإنه واضح كوضوح الشمس أن العالم العلماني الحديث يدفع بالفعل هذا الثمن الآن. ما هو هذا الثمن؟

"فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ" (وهذا يتضمن انهم الآن يعيشون مثل القرده, غير قادرين علي ممارسة أي تحكم في شهواتهم ورغباتهم حتي أنهم في نهاية الزمان سوف يظهرون تفضيلهم لممارسة الجنس في العلن.) ... سورة الأعراف الايه رقم (166).

الدوله اللادينيه الحديثه قد شرعت إقراض المال بالفائده (الربا). الدول اللادينيه الحديثه المتزايده عددا حول العالم بالفعل قد شرعت المقامره (واللوتاري) واستهلاك وبيع المسكرات (الكحول) ولحم الخنزير والنقود الورقيه التي تفقد قيمتها باستمرار. (وعندما تفقد قيمتها فإن البشريه تنهب وتصبح في النهايه سجينه في "العمل الإستعبادي"). الإجهاض والشذوذ الجنسي والسحاق والعهر والزنا أصبحت كلها أشياء مشروعه اليوم. وهناك مجال أعمال في الولايات المتحده يعلن لهؤلاء الذين يريدون أن يبيعوا أطفالهم. لديهم حتي خدمة تليفون محمول "لتوصيل الواقي الذكري" لمن يرغب في استغلال فرصه غير متوقعه والواقيات الذكريه متاحه في المدارس الثانويه في الولايات المتحده الأمريكيه. وتزداد أعداد فتيات المدارس اللائي يحملن ويجهضن ويمكن إخفاء هذا عن الآباء بحكم القانون. ولكنه من غير المشروع أن تتزوج فتاه في سن قبل السادسة عشره.

حول العالم اليوم معظم الدول اللادينيه الحديثه لم تعد تقبل شرع الله بأن الإبن يرث ضعف ما ترثه البنت. فقد أعلنوا أن هذا القانون فيه تمييز ضد المرأه وأقاموا قوانينهم هم التي يدعون أنها أكثر عدلا من قوانين الله. في الواقع فإن قانونهم ليس بقانون. فيمكن للرجل أن يترك كل ما يملك لحيوان أليف ولا يترك شيئا لزوجته وأولاده! الدوله اللادينيه الحديثه حرمت علي الرجل أن يتزوج أكثر من امرأه واحده في نفس الوقت لأنها تدعي أن هذا فيه تمييز ضد المرأه. ولكن الدوله فرضت علي الرجل ألا يتزوج أكثر من امرأه واحده في نفس الوقت وبذلك تدعي أنها ترفع الظلم الموجود في شرع الله عن النساء. هذا البديل الأحادي الإلزامي أدي إلي ثوره جنسيه سخرت من الزواج نفسه لأن الرجل أصبح في إمكانه أن يتخذ من العاشقات ما يشاء طالما أنه لا يتزوجهن. وأعلنت الدوله اللادينيه أن المرأه لم يعد عليها أي إلزام شرعي أو أخلاقي بطاعة زوجها لأن هذا فيه تمييز ضد المساواه بين الرجل والمرأه.

والكاتب يحذر من أن الشمس لم تطلع أبدا من عالم أغرب من العالم الأوروبي الحديث الملحد الفاتن. وهذا بكل تأكيد علامة مشئومه.

العلامه المعرِّفه لدين إبراهيم (عليه السلام) هي أنه لا يوجد مكان أيا ماكان للكفر والشرك (فساد أو رفض عبادة الإله الواحد الحق) فيه. ولكن النظام السياسي اللاديني للحضاره الأوروبيه المسيحيه الجديده الملحده بالضروره, المسماه حاليا الحضاره الغربيه الحديثه, قائمه علي الكفر والشرك. ولقد أسست منظمة الأمم المتحده بالضبط علي نفس الشرك. فلقد نص ميثاق الأمم المتحده علي أن الله تعالي ليس هو الأكبر! المادتان 24 و 25 من الميثاق تنصان علي مجلس الأمن له السلطه العليا علي العالم في كل الأمور المتعلقه بالسلام والأمن الدولي. بكلمات أخري, سلطة مجلس الأمن أعلي من سلطة الله تعالي ورسوله (صلي الله عليه وسلم). وهذا شرك.

كيف يمكننا أن نفسر تقبل المسلمين حول العالم للدوله اللادينيه الحديثه, مثل الجمهوريه التركيه والمملكه العربيه السعوديه وجمهورية باكستان ودولة ماليزيا و... إلخ, كبديل صالح للخلافه؟ وكيف يمكننا أن نفسر تعريف المسلمين الهنود في ترينداد لأنفسهم علي أنهم تابعين عرقيا وسياسيا للحزب السياسي الهندي والمسلمين الأفارقه بنفس الطريقه مع الحزب السياسي الأفريقي؟ ربما كانت هذه هي اللحظه المناسبه لنشرح النظام السياسي الإسلامي ومفهوم الإسلام للدوله, (أي الخلافه) ثم نقارنه بالدوله اللادينيه الحديثه. وجهل العالم اليوم وصل إلي درجة أن حتي المسلمين غير مدركين لهذا الموضوع.

الخلافه والدوله اللادينيه (العلمانيه) الحديثه:

كانت الخلافه الإسلاميه مفهوما لدوله ونظام سياسي رأي سلطة الله هي السلطه والقانون الأعليين وفرضت الحرام (ما حرمته الإراده الإلاهيه) علي أنه حرام والحلال (ما سمحت به الإراده الإلاهيه) علي أنه حلال. نشأت الخلافه كنتيجه للأمر بطاعة الله ورسوله (صلي الله عليه وسلم) وأولي الأمر بين المسلمين.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" ... سورة النساء آيه رقم (59).

رفض الإسلام انقسام الولاء – أن يمكن للشخص أن يقدم ولاءه الكامل للدوله وفي نفس الوقت يقدم ولاءه الكامل لله تعالي. لم يكن العالمان (عالم الدين وعالم السياسه) ليفصلا عن بعضهما البعض لأن القرآن صرح أن "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" ... سورة الحديد آيه رقم (3). الولاء الأعلي لابد أن يكون لله وليس للدوله لأن القرآن طالب المؤمنين أن يعلنوا أن: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ... سورة الأنعام آيه رقم (162).

حطمت أوروبا النموذج الإسلامي للدوله والنظام السياسي عندما تم استهداف الخلافه العثمانيه وتحطيمها. واستمرت أوروبا لتضمن عدم استعادة الخلافه الإسلاميه أبدا. فعلت ذلك عندما ساهمت في إنشاء الدوله اللادينيه السعوديه العربيه في الحجاز (الجزء في شبه جزيرة العرب الذي تقع فيه مكه والمدينه) ثم استمرت لتتأكد من إبقاء هذه الدوله علي قيد الحياه بضمان أمنها. لم يتمكن من استعادة الخلافه لسببين. الأول, النظام السعودي الوهابي الذي سيطر علي الحرمين (الأماكن المقدسه في مكه والمدينه وهما الكعبه والمسجد النبوي) والحجاز والحج لم يتمكن أبدا من أن يطالب بالخلافه. وثانيا, طالما أنهم مسيطرين علي الحرمين والحجاز والحج فإن أي أحد آخر لا يمكنه أن يطالب بالخلافه. (من أجل تفسير ذلك انظر كتابنا: "الخلافه والحجاز والدوله السعوديه الوهابيه").

هناك عدة اسباب تفسر لماذا استهدفت أوروبا وحطمت الخلافه الإسلاميه. الأول, بالطبع, لتسهيل تحقيق هدفهم من تحرير الأرض المقدسه وإعادة اليهود لهذه الأرض. ولكن السبب الثاني كان لتمكين النموذج الأوروبي الحديث للدوله اللادينيه من إفساد البشريه بالشرك. عندما دمرت الخلافه فقد حلت محلها دولة تركيا الحديثه اللادينيه (العلمانيه) في نفس مركز الخلافه. ثم ظهرت دوله مشابهه في إيران, في مركز أرض الإسلام الشيعي, ودوله شبيهه في السعوديه العربيه في مركز أرض الإسلام السني. وأخيرا خدع مسلموا الهند بجداره لقبول جمهورية باكستان اللادينيه. ثالثا, كان لابد من تحطيم الخلافه لأنها عاقت تحقيق الهدف النهائي للأجنده الأوروبيه الجديده الملحده. هذا الهدف الأوروبي كان إنشاء إسرائيل اليهوديه كدوله حاكمه للعالم, تحكم العالم من القدس.

وقد تنبأ النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) بأن الخلافه سوف تختفي. فعل ذلك في الحديث التالي:

"عن ‏أبي هريرة ‏أن رسول الله ‏‏(صلي الله عليه وسلم) قال‏: ‏كيف أنتم إذا نزل ‏ ‏إبن مريم ‏ ‏فيكم وإمامكم (أمير المؤمنين أو الخليفه)منكم (أي أنه سيكون مسلما)." ... صحيح البخاري).

هذا الحديث يكشف ثلاثة أشياء:

أولا, يخبرنا أن الخلافه ستكون موجوده في العالم في "آخر الزمان". وهذا يتضمن نبوءه بأن الخلافه سوف تختفي من العالم ولكنها سوف تسترجع. ثانيا, أن المسلمين سوف يعيشون لفتره من الزمان تحت سلطة وحكم وسيطرة غير المسلمين قبل استرجاع الخلافه. وهذا بالضبط ما يعيشه العالم اليوم. ثالثا, أن عودة الخلافه ستكون حدثا معاصرا لعودة ابن مريم.

ولأننا نعلم أن عيسي (عليه السلام) عندما يعود سيحكم العالم من القدس كحاكم عادل فارضا لحكم الله, فإن هذا يتضمن أن دولة إسرائيل اللادينيه سوف تستبدل في الأرض المقدسه بحكم إسلامي صحيح خال من شرك إسرائيل اللادينيه.

إن هؤلاء الذين يدافعون عن الوضع الراهن للدول الإسلاميه العلمانيه لابد لهم أن يتريثوا ويلقوا الضوء علي نبوءة النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) المتعلقه باسترجاع الخلافه. وطبقا لحساباتنا فإن هذه النبوءه سوف تتحقق قريبا غالبا.

التفسير القرآني للشرك العالمي للدوله اللادينيه (العلمانيه) الحديثه:

فقط القرآن يمكنه أن يفسر وقد فسر التغير السياسي المعاصر الذي لحق بالعالم الأوروبي المسيحي والأوروبي اليهودي ثم لحق بباقي البشريه. ما هو هذا التفسير؟ يعلمنا القرآن أن عملية التاريخ سوف تأتي للنهايه عندما رسم الله تعالي أن "اليوم الآخر" سوف يأتي علي البشريه والعالم. ولكن قبل أن يأتي هذا "اليوم الآخر" فلابد من وجود "آخر الزمان" الذي سوف يكون مليئا بعلامات عديده من الله توضح أنه "آخر الزمان". من هذه الاحداث التي سوف تحدث في آخر الزمان قدوم خاتم النبيين محمد (صلي الله عليه وسلم). إطلاق الدجال, المسيح الكاذب, وياجوج ومأجوج حدث في حياته (انظر كتابي "القدس في القرآن"). عندما أطلقوا في العالم فإنهم في النهاية أصبحوا الممثلين المهيمنين علي العمليه التاريخيه وهم العقول المدبره المنظمه لهذا التحول المميز والمشئوم للبشريه والعالم. النبي (صلي الله عليه وسلم) أعلن أن عصر الدجال, المسيح الكاذب (عدو المسيح), سوف يشهد ظهورا عالميا للربا وقمة الظلم الإقتصادي. وهو أيضا عصر الكفر لأن الدجال كتب بين عينيه "كافر". وهو عصر الشرك لأن الدجال سوف يلعب دور الرب ويخدع البشريه بقبوله هكذا. إنه من الواضح كوضوح ضوء النهار لهذا الكاتب أن الدجال هو العقل المدبر خلف خلق الدوله اللادينيه الملحده اساسا الحديثه ونظامها للسياسات الإنتخابيه.

البديل للسياسات الإنتخابيه في الدوله اللادينيه (العلمانيه) الحديثه:

من الممكن أن يسأل القارئ اليهودي أو المسيحي أو المسلم علي حد سواء: هل يوجد بديل (للمؤمنين) للسياسات الإنتخابيه في الدوله اللادينيه؟ نعم يوجد! البديل هو الجهاد من أجل استرداد سيادة الإله الواحد في النظام السياسي – أن نجاهد من أجل الإعتراف بسلطته كالسلطه العليا – وأن نجاهد من أجل الإعتراف بشرعه علي أنه القانون الأعلي. وهذا هو الجهاد الأعلي والأنبل في كل الجهادات السياسيه التي شنها أحد قط, وإنه جهاد لابد أن يتبع حتي آخر الزمان. فإن الله تعالي قد ضمن بالفعل أن الزمان لا يمكن أن ينتهي قبل أن ينتصر هذا الجهاد في النهايه.

البديل هو أن يتمسك المؤمنون باستحلال ما أحل الله وتحريم ما حرم الله بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعوه. وعندما يقترف أناس شركا أو كفرا أو ظلما أو فسقا فلابد أن يدين المؤمنون هذا السلوك ويعارضوه ويجاهدوا ضده ويتوجهوا إلي الله سائلينه أن يفرق بينهم وبين هؤلاء الناس:

" ...  فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ" ... سورة المائده آيه رقم (25).

القرآن يشير إلي هذه المهمه للمؤمنين ب "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر". لو أن هذا الجهاد لاستعادة سيادة الله تعالي وتفوق سلطته وشرعه (في أي منطقه) كان لينجح فإن هذه المنطقه ستصبح دار الإسلام. المسلمون سوف يحكمون هذه المنطقه. ولكن هناك نموذج بديل لحالة جمع يكون فيها المسلمون  مشاركين في الحكم علي منطقه مع غير المسلمين علي أساس من المساواه السياسيه من خلال اتفاق دستوري يسمح للمسلمين بالاعتراف بسيادة الله وتفوق سلطته وشرعه "عليهم". أسس النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) نموذج الدوله هذا في الدوله المدينه المسماه المدينه التي فيها تشارك المسلمون واليهود والعرب عابدوا الأصنام الحكم علي منطقه وعلي دوله بأساس من المساواه السياسيه.

للبشر الحريه في اختيار تقبل أو رفض دين إبراهيم (عليه السلام). ولكن ما أن يقبل دين إبراهيم (عليه السلام) فليس للمؤمنين حرية الإختيار بين حكومه من المؤمنين وحكومه غير مؤمنه. وطالما كان لدي المؤمنين الحريه ليفعلوا ذلك فيجب عليهم أن يختاروا إخوانهم المؤمنين ليحكموهم. وعندما تنكر عليهم هذه الحريه في أي منطقه فيجب عليهم أن يبحثوا عن مكان ما توجد فيه هذه الحريه ويهاجروا إلي هذه المنطقه! فهكذا أمر إله إبراهيم تعالي المؤمنين: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" ... سورة النساء آيه رقم (59).

وعندما لا يملكون الحريه ليؤسسوا حكومتهم في أي مكان ويلزمون أن يعيشوا تحت حكم غير مؤمن فإن المؤمنين بدين إبراهيم (عليه السلام) "يخضعون" لهذا الحكم حتي يأتي الوقت الذي يمكنهم فيه أن يختاروا إخوانهم المؤمنين ليحكموهم. ولكن "الخضوع" لهذا الحكم الغير مؤمن لا يمكن أن يتضمن مشاركتهم في إنشاء حكومه غير مؤمنه. ثانيا, يخضع المؤمنون لهذا الحكم بشرط حرية العقيده (أي لا يجبرون علي شيء فيه انتهاك لقانون إله إبراهيم. مثل هذا القانون, علي سبيل المثال الفرض الديني للقتال وبالتالي لتلقي التدريب العسكري.

وفي حين أن هذه الحكومه ليست حكومتهم ولكن يمكنهم أن ينصحوها ويساندوها في كل ما هو حقيقي وحسن وخير ويحذروهم ويقاوموهم ويمتنعون عن كل ما هو مزور وشرير ومضر. وهنا يكمن الدور السياسي الأهم للمسلمين في سياسيات ترينداد وتوباجو.

إنها طبيعة الدوله اللادينيه الحديثه التي لن تسمح أبداً باستخدام الإنتخابات لتحولها إلي نموذج مختلف للدوله – دوله تعترف بسيادة إله إبراهيم (عليه السلام) وتفوق سلطته وشرعه. السياسات الانتخابيه لابد لها أن تعمل في خدمة الدوله اللادينيه الملحده.

النبي (صلي الله عليه وسلم) أعلن أن عالم الكفر يكون اتحادا بالضروره (الكفر ملة واحده). وهذا بالضبط ما برز في العالم الآن. اليهود والمسيحيين لابد لهم أن يتأملوا في حقيقة أنه عندما استخدم مسلموا الجزائر السياسات الإنتخابيه ليستطيعوا أن يستعيدوا دين إبراهيم (عليه السلام) في الجزائر ونجحوا بنسبة 85% من الأصوات في الإنتخابات الوطنيه فإن العالم الملحد اتحد ليعاقب بقسوه ال85% من جمهور الناخبين الذين تجرءوا ليغيروا الأساس الملحد اللاديني للدوله. الإغتصاب الخالي من الرحمه الوقح للجزائر من كل العالم الملحد اللاديني لا يزال مستمرا حتي بعد سنين من هذه الإنتخابات المأسوف عليها.

إذا فأولي من التصويت في الإنتخابات وإضفاء الشرعيه علي نموذج الدوله اللاديني المعتمد علي الشرك فإن المسلمين يجب عليهم أن يحموا أنفسهم من الشرك بالانفصال عن الدوله اللادينيه. ولابد عليهم أيضا أن يردوا عليها بالجدال أن نموذج الدوله الذي أسسه النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) هو نموذج أفضل عند مقارنته بالدوله اللادينيه الملحده. بديل الشرك السياسي في الدوله اللادينيه وسياساتها الإنتخابيه لابد له أن يكون أيضا بديلا ينقذ المسلمين من ربا الإقتصاد الحديث. الربا الذي يجلب علي البشريه عبوديه جديده متطوره. ويحتاج المسلمون أيضا لبديل عن الفساد الأخلاقي الذي يهبط علي البشريه. وربما كان الشر الأخطر من كل الشرور الذي يجب علي المسلمين أن يهربوا منه هو نظام التعليم الذي علمن المعرفه والتعليم, ولا يزال يفعل ذلك, وينتج أفرادا عميانا داخليا وروحانيا.

هناك طريق واحد فقط من خلاله يستطيع المسلمون أن يحافظوا علي إيمانهم في العالم وهذا الطريق أعطي في سورة الكهف في القرآن (السوره التي تعصم من الدجال). وهو الإنفصال عن العالم الملحد (أي تركه).

القرآن نفسه يوجه المسلمين للإنفصال عن العالم الملحد:

"... فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ"... سورة المائده آيه رقم (25).

والطريقه التي بها يستطيع المسلمون في ترينداد وتوباجو أن يفصلوا أنفسهم بفاعليه عن الشرك المحيط بهم حاليا قد اعطيت في القرآن في قصة الفتيه في سورة الكهف. هذه الطريقه هي إقامة قري مسلمه منفصله عن الأمه.

القريه المسلمه:

لابد للمسلمين أن يركزوا علي تأسيس مجتمعات إسلاميه مصغره أينما استطاعوا. ولكن دعوني لمره أسجل إعجابي بمجهود الدكتور نظيم محمد في تأسيس القريه المسلمه في جماعة مستوطنة بوس في ريو كلارو, ترينداد. فلقد زرت القريه المسلمه ووجدت لسعادتي أنه نجح في جلب الأعراق معا في أخوه عرقيه. وهذا المقال كتب خصيصا بغرض تشجيع القراء لأخذ المبادره بتأسيس قري متعددة الأعراق والإثنيات واللغات في أي مكن ممكن, متحدين في أخوة الإيمان بالإسلام.

لو أن قريه مسلمه بحق أسست وأمدت المسلمين بوسائل الحفاظ علي إيمانهم في العالم المزداد إلحادا حاليا, إذا فإنه بالإضافه إلي الإمتناع عن التصويت في انتخابات الدوله اللادينيه الحديثه, يجب أن تتوافر بها هذه الشروط:

  • يجب أن تؤسس الحياه العامه في القريه المسلمه علي أساس قوي من القرآن والسنه. وأي شيء غير معتمد علي القرآن والسنه لا يمكن أن يعتبر مهما للحياه. لو أن شريعه دينيه لمسلم لا يمكن إقامتها, إذا فبغض النظر عن مدي فائدتها أو كم المده التي حافظ المسلمون عليها فيها, فلا يجب أن تجلب للمسجد ولا للحياه العامه للمسلمين في القريه المسلمه ولا يجب أن يسمح لها أن تكون أساسا لأي انقسام وصراع بين المسلمين. بهذه الطريقه فقط ستتمكن القريه المسلمه من النجاه من المجهود الشرير المعاصر الموجه لتطهير المجتمعات المسلمه من شعائرها (الضاره والغير ضاره) التي لا أساس لها في القرآن والسنه ونهج الأسلاف (جمع سلف, أي المسلمين الأول). واحد مما يتضمنه ما سبق أن حلقات الذكر في الطريقه الصوفيه القديريه التي أنتمي أنا إليها أو أي طريقه صوفيه أخري سوف تقام في أماكن خاصه داخل القريه.
  • القريه المسلمه لابد لها أن تكون مكتفيه ذاتيا من الطعام والطاقه. سورة الكهف تشير إلي الطاقه الشمسيه كحل للطاقه. السوره أيضا تحذر بخصوص النقاء التام للطعام, وبذلك علي الإمتناع عن المخصبات الكيماويه والطعام المهندس وراثيا والهرمونات في اللبن واللحوم, .. إلخ. الإنتاج الزائد من هذا الطعام العضوي في القريه المسلمه يمكن أن يباع خارج القريه وهذا يشكل جزءا من تأسيس اقتصاد القريه. ومن الطرق الفعاله للتسويق, علي سبيل المثال, شرح العلاقه بين الطعام وبين القدره الجنسيه. وأثناء عملية انتاج الطعام النقي والصحي يتوجب علي القريه المسلمه أن تبين قدره علي أن تعمل ما يعجز عن عمله باقي الناس بصوره متزايده. ونفس الشيء في إظهار قدرة القريه المسلمه في شفاء إدمان الكحول والمخدرات, عكس الانخفاض المستمر للأخلاق الجنسيه, الحفاظ علي وحدة الأسره في وقت انهيارها حول العالم, إنشاء السلام والأمن وبذلك تزيل العنف والجريمه, ... إلخ. كل هذه الإنجازات سوف تتسبب في تأثير سياسي فعال علي السياسات في ترينداد وتوباجو بأنهم سوف يظهرون قدرة الإسلام علي حل المشكلات التي لا تستطيع الحكومات ولا الأحزاب السياسيه اللادينيه حلها.
  • وسيتوجب علي القريه المسلمه أيضا أن تنشيء سوقا مصغرا مستقلا عن السوق الكبير وسوف يستخدم النقود الحقيقيه (الذهب والفضه) وليس النقود الورقيه الصناعيه الخاصه بالسوق الكبير. وبهذه الطريقه سيتمكن السوق المصغر من البقاء عندما ينهار النظام المالي العالمي المخادع المعتمد علي النقود الورقيه. فأنا أتوقع للنظام المالي العالمي المعتمد علي النقود الورقيه أن ينهار في لحظة شن إسرائيل حربها الكبري لتوسيع مساحتها باحتلال كل المنطقه من "نهر مصر" (النيل؟) إلي "الفرات" في العراق. ويحتمل أن تحدث هذه الحرب قريبا جدا.

وأحد أهم خواص هذا السوق المصغر في القريه المسلمه هو أنه سوف يضمن أن الثروه تدور خلال اقتصاد القريه. وبذلك فإن فقراء القريه لن يبقوا فقراء أبداً والأغنياء لن يظلوا أغنياء أبدً. لأن كل أشكال الربا سوف تحرم داخل القريه – سواء كان "ربا الباب الأمامي" أو "ربا الباب الخلفي"- ولن يسمح ل"الإتحاد الإسلامي الائتماني" بالعمل داخل القريه المسلمه.

  • سيتوجب علي القريه المسلمه أن تبذل مجهودا بإصرار علي تتبع الإحسان (التصوف) من أجل تحقيق البصيره الروحانيه الداخليه. وبذلك ستكون حياة القريه علي درجه كبيره من البساطه والتقشف والتقوي. ولابد أن يكون هناك تطبيق صارم للشريعه. وبالإضافه سيتوجب علي القريه المسلمه أن تتأكد من التحكم الكامل في التعليم. فلابد أن يبقي القرآن صميم النظام التعليمي خلال كل مراحل التعليم. وسوف يكون للمدرسة المسلمه في القريه المسلمه ميزه عظيمه علي المرسه المسلمه الموجوده خارج القريه المسلمه. فالأطفال في هذه المدرسه سوف يدعمون بمجتمع مسلم يعيش الإسلام! أطفال مثل هذه المدرسه المسلمه فقط يمكن تدريبهم وتعليمهم كمسلمين!
  • كل المسلمين المتواجدين في القريه المسلمه لابد لهم أن يكونوا معا جماعه واحده تحت حكم أمير واحد. الأمير يجب عليه أن يكون شخصا عارفا بالدين ويعيش الدين. ولابد له أن يكون عارفا للعالم اليوم. وسواء أكان أفريقيا أو هنديا أو دوجلا أو ... إلخ, فلابد أن يفرض الدين علي أفراد الجماعه ولابد أن يستجيبوا بالسمع والطاعه. وهذا سوف يحافظ علي سلامة وانضباط القريه المسلمه. وسوف يجمع كل الأعراق في ترينداد وتوباجو معا في أخوه عرقيه وبذلك ستصنع إعلانا سياسيا بليغا لترينداد وتوباجو المستقطبه عرقيا وللعالم المستقطب عرقيا.
  • لا يمكن للقريه المسلمه ولا يجب أن تكون حجر أساس في سبيل السيطره النهائيه علي الدوله. فالغرض الوحيد للقريه المسلمه هو الحفاظ علي إيمان المؤمنين. ولذلك فلن يتم تسليح القريه إلا بالأسلحه المحتاجه للدفاع عنها ضد السارقين والمغتصبين واللصوص! ولن تكون لها القدره للدفاع عن نفسها إذا ما هاجمتها الدوله أو أعداء الإسلام. وبالإضافه إلي ذلك فإن القريه سوف تشجع الهندوس والمسيحيين والآخرين ليسكنوا مع المسلمين في القريه علي شرط ألا يكونوا معادين للإسلام وأن يوافقوا علي الإلتزام بالآداب العامه للسلوك في القريه. وبهذه الطريقه فإن غير المسلمين أنفسهم سوف يستطيعون أن يرفضوا الشائعات الداعيه و "توماس الشكاك" المتعلقه بالسلام والطبيعه اللاتهديديه للقريه المسلمه. ولكن القريه المسلمه, رغم أنها غير مسلحه, فلابد لها أن تطور وسائل تضمن سلامتها وأمنها الجماعي لكل القرويين. ولا يجب لها أن تكون قريه يعيش فيها الناس كالسجناء, بقضبان حديديه علي كل نافذه في بيوتهم وأمن باهظ التكاليف ونظام إنذار ضد السرقه مركب في كل بيت. الأمن في القريه يجب أن يكون لدرجة أن المرأه يمكنها أن تسير وتتجول في القريه بالليل بأمن وسلامة تامين. وهذا الأمان في القريه المسلمه سوف يصنع إعلانا سياسيا هائلا لباقي الأمه المحاصره.
  • كل الهدي النابع من القرآن والسنه والذي يجب تطبيقه من أجل مهمة تأسيس المجتمعات المسلمه المصغره في القري المسلمه يجب أن يستخرج وأن يصنف. وهذه بالضبط المهمه التي حققها مولانا الأنصاري في كتابه الرائع المعنون "الأسس القرآنيه وهيكل المجتمع المسلم". ولقد أوضح أيضا مفهوم الروحانيه الإسلاميه بعناية فائقه وببعض التفاصيل وبذلك فقد رد علي المنتقدين الذين حتي لم يكونوا ظهروا بعد في وقت كتابة الكتاب. ولكن "الروحانيه" لا يمكن تحقيقها إلا إذا سبقت بصراع معنوي من أجل النقاء. وأحد أعظم انجازات كتابه, العرض المفصل وتصنيف الرمز الأخلاقي الإسلامي والتفسير الجميل والتوجيه الذي عرضه في منهجية التزكيه (النقاء الأخلاقي) والذكر (العبيرالذي ينقله فقط الحب الحقيقي عندما يملأ القلب ويثير, في القلب خاصة, تذكر دائم للمحبوب).
  • "الأسس القرآنيه وهيكل المجتمع المسلم" يمثل مرجعا ومصنفا ودليلا حقيقيا لبقاء المسلمين في العصر الحالي. وأنا أنتوي أن استخدم هذا الكتاب كمرجع لي في تأسيس المجتمع المسلم الحقيقي في القري المسلمه أينما استطعت. وأدعو أن يلهم القاريء ليفعل نفس الشيء. آمين!

وقبل إنهاء هذا المقال, لابد من تسجيل تحذير. وهو أن الدوله اللادينيه والنظام السياسي اللاديني الذين ورثهما المسلمون من بريطانيا وأوروبا يستلزمان تجانسا أساسيا في إلحاد الدوله من أجل أن تنجح. وقد حققت الحضاره الأوروبيه ذلك التجانس بظهور أسلوب الحياه الملحد أساسا. وباقي العالم ليس لديه هذا التجانس الأساسي بعد. ولذلك فإنه لم يكن من المفاجيء أن سياسات تقسيميه عرقيه وقبليه كان لها أن تبتلي السياسات الغير أوروبيه منذ بداية الحكم الذاتي. وبالفعل فقد وصلت لطريق مسدود وهناك امكانيه مميزه أنها سوف تؤدي لشغب عرقي. فلو أن المسلمين بقوا جزءا من نظام السياسات الإنتخابيه وعرفوا أنفسهم سياسيا مع حزب عرقيتهم فإنهم سيبقون الأكثر عرضه من كل الجماعات للاستهداف عندما يبدأ الشغب العرقي. وعندما يرفعون أيديهم بالدعاء في وقت سفك الدماء والقتل ويجدون باستيائهم أنهم لا يتلقون مساعده من أعلي فربما يفهمون ساعتها الآيه القرآنيه التي تحذر أن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم (بهدي الله)... سورة الرعد آيه رقم (11). وهذه هي الوظيفه الأساسيه التي يحاول هذا المقال القيام بها.

الخلاصه:

لقد بني هذا الكاتب مجادلاته علي القرآن والحديث وسنة النبي المبارك محمد (صلي الله عليه وسلم) ليثبت أن المشاركه في السياسات الإنتخابيه في الدوله اللادينيه الحديثه يمثل شركا وكفرا. وفي حالة معارضة الرأي المعروض في هذا المقال فإن العلماء يجب عليهم أن يردوا بمجادله مبنيه علي القرآن والحديث وسنة النبي المبارك محمد (صلي الله عليه وسلم). ولابد أن يصرحوا بالظروف الخاصه التي تجعل من الحلال للمؤمنين أن يصوتوا في الإنتخابات الوطنيه. علي سبيل المثال, هل يجوز لمؤمن أن يصوت لهندوسي عابد أوثان أو لعدو للإسلام أو لكاذب أو لشارب خمر أو لسارق أو لزاني أو لمقرض المال الذي يمتلك أسهما في بنك أو مديرا لبنك.... إلخ؟ هل يمكنه أن يصوت في انتخابات علي أساس التضامن العنصري أو علي أساس تجاري:

"سوف نصوت لك في مقابل أن نحصل علي كذا وكذا منك." هل يمكنه أن يصوت لحزب سياسي ملتزم بدعم دولة إسرائيل الصهيونيه في استمرارها في الظلم واحتلال الأرض المقدسه والمسجد الأقصي؟ هل يمكنه أن يصوت لحزب سياسي يدعم تقنين إقراض المال بالفائده واللوتاري والشذوذ الجنسي والإجهاض؟

لقد أعلن النبي المبارك محمد (صلي الله عليه وسلم): الحلال بين! والحرام بين! اتقوا مواطن الشبهات! يبقي الآن لعلماء الإسلام الذين يهدون المؤمنين أن يعلنوا إذا كان حلالا للمسلمين أن يشاركوا في السياسات الإنتخابيه في الدوله اللادينيه الحديثه. ومن أجل أن يقدموا إجابه إيجابيه غير متناقضه يجب علي علماء الإسلام أولا أن يوضحوا أنه ليس حراما أن يفعلوا ذلك, ثانيا, أنه ليس من "الشبهات" أن يفعلوا ذلك. ولابد أن يبنوا إجابتهم علي أسس حاكمه من القرآن والحديث الصحيح. فإذا لم يفعلوا ذلك ولا يزالون مصرين أن المسلمين يمكنهم أن يصوتوا في الإنتخابات فإن هؤلاء العلماء هم أناس خطيرون جدا ويجب تجنبهم كالطاعون. وهؤلاء المصرون علي اتباع مثل هؤلاء العلماء يجب عليهم أن يتمهلوا ليفكروا في مدي رعب يوم القيامه: "عن أبي هريرة أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال: يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" ... صحيح البخاري.

 

Newsletter

Newsletter

Subscribe to be notified of website updates.


Users Online

Users Online
None